عن فيلم عشم
البدايات

بدأت فكرة الفيلم سنة 2010 عندما رأت المخرجة ماجي مرجان أحد الأشخاص الذين يعملون في الشوارع يرتدي زي مهرج في افتتاح متجر، كان الرجل يوزع الإعلانات على المارة وألقى في يديها واحدة منها، وهنا كانت البداية. بعدها قرأت المخرجة الشابة قصيدة لأمين حداد وبقراءة سطر يقول "ولا الشباب اللي لابسين أراجوزات قدام محلات الهامبورجر".. فتذكرت الرجل صاحب زي المهرج مرة أخرى.
القاهرة مدينة تعج شوارعها بالكثير من المارة، والمعتاد فيها الآن ألا ينتبه بعضهم للآخر رغم تقاطع سبلهم طوال الوقت في ظل هذه المدينة المزدحمة، فالناس كما لو كانت هناك جدران خفية تفصل بينهم، جدران تصنفهم على أساس الطبقة الاجتماعية، الدين، النوع والوظيفة.
أرادت ماجي أن تصنع فيلماً تجسد فيه هذه المدينة الزاخرة بالكثير من المعاني وسكانها الذين يقاومون هذه التصنيفات المفرقة بينهم. وكما تعبر المخرجة الشابة "هذه الخطوط العريضة للعديد من القصص المتداخلة تعكس في داخلها تجربتي الشخصية داخل القاهرة، والناس الذين أعرفهم وقابلتهم".
يحاول الفيلم أن يكسر هذه الجدران الخفية من خلال قصص مختلفة تدور حول عدد من الشخصيات، تمنحها ماجي فرصتها الخاصة للظهور، فهناك شخصية عاملة تنظيف الحمامات التي لا يعيرها الآخرون انتباههم تحظى بفرصة لتسليط الضوء على قصتها، كذلك الرجل موزع الإعلانات صاحب القناع كان له نصيبه من قصة الفيلم، كذلك الطبيب، والمرأة التي تشعر بالوحدة وتحاول أن تنجب طفلاً، ومحاسب يخشى أن يكون مصاباً بمرض خطير وغيرهم.
الفيلم من خلال مضمون قصصه لأشخاص مختلفين، يحاول أن يلقي الضوء على العديد من سكان القاهرة ويشهد الفيلم لحظات يتقابل فيها شخصياته، إن هذه اللحظات الصغيرة، التي يتلاقى فيها شخصان ويرى أحدهما الآخر حقاً، هي التي تبعث الحياة.

فيلم عشم التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرجة ماجي مرجان وتصفه بأنها مغامرة من جانبها. ترى ماجي أنها محظوظة في هذا الفيلم للعديد من الأسباب حيث شاركها المنتج والسيناريست المصري محمد حفظي لكي يقوم بإنتاج الفيلم من خلال شركته فيلم كلينيك، والتي تحولت الآن إلى بؤرة جذب للعديد من تجارب السينما الجديدة والمستقبلة، كما شارك في التمثيل المخرج الكبير محمد خان، وتولى المخرج والمونتير أحمد عبدالله المونتاج ليصل الفيلم أخيراً إلى النور، ويدخل ضمن منافسات مسابقة الأفلام العربية الروائية الطويلة في مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي 2012.

أفكار خاصة عن عشم
تشعر ماجي أن الحظ كان حليفها منذ البداية، فالتصوير جاء في أعقاب ثورة 25 يناير وكان الجميع متفائلاً ومشتعلاً بالطاقة الإيجابية، بدءاً من الممثلين وحتى العاملين بمواقع التصوير، وكما جاء على لسان ماجي "هذه إحدى مزايا السينما المستقلة، ومن المؤكد أن أغلب من يشتغل بهذه الأنواع من الأفلام يكون حبه لها دافعه الأول وراء تلك التجربة وليس الأرباح المالية. في عشم حظيت بامتياز العمل مع فريق لم يقتربوا من العمل بمبدأ 'ما فائدته لي'، بل 'ما فائدتي له' هو المبدأ الذي عملوا به".

فريق العمل
كانت مشاركة المخرج الكبير محمد خان في الفيلم بأحد الأدوار مفاجأة لـماجي نفسها، فأثناء زيارتها لأحد أماكن التصوير لمقابلة الفنانة سلوى محمد علي، كان المخرج خان موجوداً في الكارافان نفسه الذي وجدت فيه سلوى، وسمع ما تقوله ماجي لها فقال للأخيرة "يمكنني أن أشارك معكم في الفيلم إذا أمكن". ولكن ماجي لتخوف ما في نفسها قالت له إن إنتاج الفيلم لن يكون كبيراً مثل الأفلام التقليدية أو الأعمال الفنية الكبيرة، فلن يكون هناك أجراً كبيراً أو كارافان مثل الذي كان يجلس فيه أو أي نوع من الرفاهيات، ولكنه فاجأها مرة أخرى بقوله "كل هذا لا يهم، ألا تعلمي أنني أخرجت فيلم كليفتي بميزانية محدودة، يمكنك أن تصنعي فيلماً دون الحاجة إلى كل ذلك." وكان بالفعل على حق. معظم الممثلين الذين اختيروا لأداء باقي الشخصيات من الممثلين كانوا من الوجوه الجديدة، وهو ما أصرت عليه المخرجة منذ البداية، فالشخصيات كلها تشعر أنها من لحم ودم، وكانت ماجي تبحث عن صفات معينة في الشخصيات التي تريدها لفيلمها، فلم يكن الاختيار قائماً على أساس قدرة الممثل على تجسيد الشخصية فقط، بل قدرته على إيجاد وصلة بينه وبين الشخصية التي يقدمها يتعايش معها ويقدمها بصدق، وكما تقول ماجي "أن يتوحد الممثل مع قصة الشخصية التي يقدمها ويشعر أنها تمر بتجربة مشابهة لما يعيشه في حياته. فكانت هذه خطوة شجاعة من الممثلين المشاركين دلت على تفتح عقولهم وحبهم لما يقدمونه". وتكمل ماجي "لا يعتبر عشم فيلماً عن الأحداث، بل عن اللحظات، يمكن أن نقول إنه عن هنا والآن، ففي هذا الفيلم حاولنا أن نخلق وعياً بلحظات الحياة الصغيرة، ولحظات الاستنارة الصغيرة في حياة الشخصيات. وكأن الفيلم يريد أن يشير إلى الأحداث الصغيرة ويقول 'لاحظوا هذا/ هذه'، مثل تلك النزهة على الدراجة البخارية، هذا العناق، هذا المنظر لميدان رمسيس، هذا الصوت لدلاية الأجراس، حبات الفستق هذه. تلك الحساسية وهذا النوع من الأداء ليس سهلاً، فالممثل ذو الموهبة الحقيقية المتفتحة وحده من يمكنه تأدية ذلك".

تصوير عشم
تم التصوير في العديد من الأماكن بالقاهرة والإسكندرية، وتحكي ماجي عن تجربتها "معظم الأحداث ومقابلات الشخصيات كانت في الشارع، والتصوير الخارجي في مصر صعب للغاية، هذا إلى جانب أننا بدأنا بموارد مالية محدودة للغاية، مما اضطرنا للاعتماد على كرم ولطف الأصدقاء والغرباء، بل وكان علينا أن نجد مواقع تصوير مجانية. هذا إلى جانب صعوبة التصوير في الشوارع لأننا لا نملك التحكم في البيئة المحيطة، على سبيل المثال، كان يجب أن تصور في المقهى والمستشفى أثناء ساعات العمل شريطة ألا نزعج الزبائن المعتادين لهذه الأماكن، ولم نكن نتحكم في الصوت أو ما شابه ذلك."
وتستمر ماجي موضحة" في مصر، نصنع الأفلام بالرغم من النظام، وليس بسببه، والشيء الوحيد الذي يساندنا أنه هناك حركة تأييد متنامية للأفلام المستقلة في مصر بالوقت الحالي".
وقبل البدء في التصوير كان لا بد أن تعرف ماجي الذين سيشاركون في التمثيل أن السيناريو المكتوب به مساحة كبيرة للارتجال والتغيير، لذا كان لا بد من وجود العديد من البروفات قبل البدء في التصوير، وكان الهدف الأكبر من ذلك أن يتم تخليق الممثل وتجهيزه للتصوير. وترى ماجي أن الارتجال "يسمح لثروة من خبرات الحياة أن تشق طريقها إلى الفيلم. ليست خبراتي الحياتية وقصصي وحكاياتي الخاصة هي فقط التي يفسح لها الفيلم الطريق، بل خبرات الممثلين وقصصهم وحكاياتهم أيضاً. هناك قصة عن تذكرة الأتوبيس والأرقام المحظوظة، وحكاية عن كرة القدم والنساء، كل هذا قد يتطلب ارتجالاً وتعمق أكبر مما أملك أن أقدمه وحدي".


وتتذكر ماجي القلق والصعوبة أثناء التصوير بالمستشفى "خاصة أن بها مرضى حقيقيين، وكذلك قسم للولادة، وهو ما كان مزعجاً للغاية، كما تعرضنا لحادثة سيئة أثناء تصوير مشهد إلقاء القبض على الممثل شادي حبشي الذي قام بدور عشم وهو يركب عربة الشرطة، حيث اصطدم بحافة السيارة وأصيب، فأسرع بعض المارة بإحضار ثلج من متجر في الشارع وساعدونا حتى أتى مدير الإنتاج ليصطحبه للمستشفى".
أما أصعب المشاهد التي تم تصويرها في الفيلم على الإطلاق، مشهد المجنون أثناء محاولته الانتحار، وتتحدث عنه ماجي "كان مشهداً مهماً للغاية بالنسبة لي، وأول دور تم تسكينه بالفيلم. كما أنه يرمز لوصول مشكلات الإنسان إلى ذروتها عندما يفقد الإنسان قدرته على الاحتمال. كان تصوير المشهد في منطقة الكوربة بمصر الجديدة، وكان يحتاج لإيقاف المرور في الشارع كله حتى يتم التصوير، المكان كان مزدحماً للغاية، والكاميرا كانت بعيدة بعض الشيء في الناحية المقابلة للشارع والناس العادية ظنوا أن الوضع حقيقي، فوقفوا بهواتفهم يصورون المجنون وهو يقفز، ولكنهم عندما لاحظوا أننا نصور أحدثوا مشكلات معنا لظنهم بأننا نحاول الإساءة لسمعة مصر بتصوير المجانين، حاولنا إقناعهم بأن الأمر ليس سوى مشهد تمثيلي في فيلم، حتى الممثل الذي قدم الدور أمجد رياض حاول إقناعهم بأنه ليس مجنوناً، ولكنهم لم يصدقوه وعاملوه على أنه مجنون وأخذوا يطمئنونه بألا يذعر مما يحدث حوله ولن يدعونا نصوره. كان الموقف مأساوياً بالفعل، وقاموا بتسجيل شكوى ضدنا في القسم، ولكن الأمور مرت على خير."

ومن المواقف الأخرى التي مر بها صانعو الفيلم تحكي ماجي "بدأ الموضوع في أول يوم تصوير خارجي في مصر الجديدة، حيث ظهر بعض أطفال الشوارع وأحاطوا بنا يسألونا ما الذي نفعله، وما هو الفيلم، وأصروا أن يأخذوا صوراً مع كل الممثلين في الفيلم، وقرروا أن يساعدونا في التصوير بأن يبعدوا المتطفلين ويوقفوا الشوارع أثناء التصوير، واستمر الأمر بعد ذلك في جميع أيام التصوير الخارجي بمصر الجديدة، ورغم عدم إخبارنا لهم بمكان أو يوم التصوير التالي، فإننا بمجرد أن نتجمع في مكان ما بمصر الجديدة، نجدهم حضروا ليقدموا مساعداتهم لنا دون أن نطلبها، فكانوا الملاك الحارس للفيلم". كان كل شيء ميسراً للقائمين على الفيلم أثناء التصوير كأنه كان من المقدر له أن يخرج إلى النور، والأدلة على ذلك كثيرة ومنهم جارة ماجي نفسها، فتحكي "كنت أحتاج لشقتين متقابلتين لأصور فيهما من شباك المنور، فجارتي كبيرة في السن تبلغ من العمر 94 واستأذنتها في التصوير في شقتها وشقتي في مصر الجديدة ورحبت بالفكرة جداً وكان تخوفي أن أتسبب في أن تعاني في منزلها أو أن أزعجها لأنها كبيرة في السن خاصة بسبب كبر عدد الممثلين والكاميرات والصوت وغيرها من الأدوات، ولكنها كانت لحسن الحظ مرحبة للغاية وعاملتنا كأننا ضيوفاً عندها بكل كرم الضيافة الواجبة، ولم تزعجنا مطلقاً ولم نشعر أنها متضايقة أو منزعجة، وكلما سألتها إذا كنا نزعجها تقول "أنت لا تزعجينني، كما أنني ضعيفة السمع، لا تهتمي بي وركزي في عملك وأخرجي عملاً جيداً".
استغرق تصوير الفيلم نحو 5 أسابيع على مدار شهرين في أماكن عدة، منها شقق الأصدقاء وفندق ماريوت وفي مطعم تي بي إس وشقق بعض الأصدقاء في القاهرة وبالتحديد في مصر الجديدة ومدينة نصر والزمالك، وفي شقة بالمعمورة وشقة أخرى بالعجمي، أما المناطق التي تم التصوير بها ففي مصر الجديدة بكل ميادينها ووسط البلد والزمالك، وكذلك في العجمي والمعمورة وفي ملاهي المعمورة.

إنتاج عشم عشم من الأفلام المستقلة وأنتج بميزانية محدودة، ورغم إن ماجي مرجان تتمتع بخبرة في مجال الإنتاج الفني لخبرتها السابقة بالمشاركة في عدد من الأفلام القصيرة، لكن لم يسبق لها أن مرت بمرحلة ما بعد الإنتاج لأن عشم هو التجربة الروائية الطويلة الأولى لها كمخرجة. ساعدت مشاركة المنتج والسيناريست محمد حفظي في إنتاج الفيلم من خلال شركته فيلم كلينيك في إثراء تجربتها بخبرته الكبيرة في ذلك المجال، حيث قدم لها العون والدعم طوال مراحل تصوير الفيلم وإنتاجه. قابلت ماجي المنتج حفظي في مهرجان أبو ظبي السينمائي الدولي في عام 2008، حيث كانت عضواً في لجنة التحكيم بمسابقة الأفلام القصيرة هناك، وكان حفظي بصحبة المخرج عمرو سلامة وفريق العمل في فيلم زي النهاردة. وتحكي ماجي عن لقائها الأول بـحفظي "تعرفت عليه هناك، ثم شاهدت أعمال مختلفة أسهم حفظي في إنتاجها مثل ميكروفون، والتحرير 2011، وشعرت أنه الشخص الأنسب ليخرج مشروع هذا الفيلم إلى النور، فهو منتج ذكي ولماح، كما أنه يتمتع بخبرة كبيرة في الكتابة، وكان يدعم الفيلم ويسهم في جميع مراحل تعديلات المونتاج بكل صبر، كان حفظي من اقترح المخرج أحمد عبدالله ليقوم بتعديلات المونتاج للفيلم والذي بذل جهداً كبيراً في مرحلة ما بعد الإنتاج إلى أن خرج الفيلم أخيراً إلى النور".